“عند الغروب ستُحاسَب على الحب”
مقدمة:
وحدها النفوس الكبيرة تتعشّق تسلّق الجبال، وتستهويها القمم. والقديس يوحنا الصليب هو من تلك النفوس الكبيرة ومن العمالقة الذين حملوا الصليب وصعدوا جبل الجلجلة كما صعدها المسيح، ووصلوا خلفه الى القِمّة. إنّه قدّيس لكلّ العصور فهو صوفيّ ٌ ومرشدٌٌ ومبشّرٌ وشاعرٌ ومصلوب وقدّيس ومعلّمُ الكنيسة الجامعة.
أجل! لقد عاش في القرن السادس عشر، ولكنّنا بالرغم من ذلك، نخاله من المعاصرين لنا، ذلك لأنّ حياته وتعاليمه وروحانيّته تظلّ أكبر أمثولة وموعظة للعالمٍ
فقد عرف واختبر ان على الإنسان أن يجتاز في طريق اللاشيء للبلوغ إلى الكل إلى الله

نشأة يوحنا الصليبي
في بيتٍ فقيرٍ غنيّ بالحبّ الزوجي ّ، وُلِد يوحنا سنة 1542 في بلدة Fontiveros من أعمال إسبانيا. توفّي والده وهو في الثانية من عمره. فأخذت والدته كاترين تعمل في الحياكة من الصباح حتى المساء، لكي تربح خبز عائلتها بعرق جبينها.
امتاز يوحنا عن اخوته بتقواه المبكرة فقد قالت عنه امه في ذلك الوقت انه يتصرف مثل ملاك وكان يوحنا في طفولته يحبّ اللهو كسائر الأولاد. وقد ذهب يومًا مع بعض رفاقه للّعب قرب مستنقعٍ، فإذا بقدمِه تزلُّ فيسقط في المستنقع… فيغمره الماء الآسن. فإذا بالرفاق يهرعون لطلب النجدة. وبينما يوحنا لا يزال في المستنقع، إذا به يرى سيّدة جميلة تنحني نحوه وتقول: أيّها الولد الصغير أعطني يدك وأنا أنتشلك من الماء… مدّ يوحنا ذراعيه وما لبث أن أعادهما، إذ كيف سيضع يديه المتّسختين بالوحل في يديّ ملكة السماء الطاهرتين. كلا! فمن الأفضل له أن يغرق.
ومرَّ من هناك احد القرويين الذي مدَّ اليه “مسّاسه” فتعلّق به يوحنا وخرج الى اليابسة.
ولمّا بلغ الثانية عشرة من العمر، أخذ يوحنا يَبرزُ بين الطلا ّب كتلميذٍ له عقلٌ رشيد وعينان ذكيّتان.
وفي سنّ الرابعة عشرة عمل ممرّضًا في إحدى المستشفيات، فكان يقوم بهذا العمل بكلّ محبّة وتضحية. يتفقّد غرف المستشفى، مسرعًا الى حيث يتعالى أنين المرضى. فكان يغسل القروح الكريهة والجروح المعفّنة بكلّ غيرةٍ وحماسةٍ ومحبّة… وما كان يربحه من عمله كممرّض، كان يُنفقه على دراسته. فدرس الفلسفة عند الآباء اليسوعيين، وغالبًا ما اضطرّ الى دراستها في الليل على لهب شمعة…
يوحنا الراهب
كان قلب يوحنا يصبو دائمًا الى فوق، الى الله. ألم يقل المسيح: مَن أراد أن يتبعني فليزهد بنفسه ويحمل صليبه كلَّ يومٍ ويتبعني… ناداه المسيح فلبّى يوحنا النداء. وهذه هي الدعوة.
ويوحنا هذا، عندما قرع باب دير الكرمليين، لم يكن له مطمعٌ آخر إلا َّ السير َ والصعودَ في تلك الطريق العارية والوعرة، الشبيهة بطريق الجلجلة، حاملاً على مثال معلّمه، الصليب. فالصليب وحده يقوّي ويُوصل الى قمّة الكمال. فتوكّأ عليه يوحنا ومشى. وغالبًا ما رزح تحت الصليب على مثال معلّمه.
دخل يوحنا الدير، ففُوجىء بسهولة العيش فيه: فالقوانين سهلة وخفيفة. والرهبان يعيشون حياةالرخاء والإكتفاء: مآكل، اجتماعات، زيارات… وبكلمة مختصرة، حياتهم تُشبه حياة َ أيّ مسيحيٍّ تقيٍّ. وكلّ ما يميّزهم عن غيرهم هي حياة البتوليّة…
فأخذ يوحنا يتساءل في نفسه تماماً: أين التجرّد في الحياة الرهبانيّة، أين الإماتة والتواضع، أين التفرّغ المُطلَق لله والصلاة، أين الفقر الرهباني ّ !!!
إنّ حياة ً كهذه لم تكن لتُشبعَ ظمأه الشديد الى حياة الكمال وحمل الصليب… لذلك أخذ يمارس وهو في الدير، حياة الشدّة، متّبعًا القانون الرهبانيّ المتشدّد، الذي لم يكن الرهبان يمارسونه نظراً الى صعوبات كثيرة، ونظراً لانتشار الأوبئة وتسرّب عاداتٍ دنيويّةٍ كثيرةٍ الى الأديار
وبدأ يوحنا يدرس اللاهوت لمدة أربع سنوات في جامعة سلمنكا Salamanca. وكان من المتفوّقين. وترقّى بعدها الى درجة الكهنوت سنة 1567.
تريزا ويوحنا: التحوّل الكبير- الإصلاح
وحدث ان التقت تريزا الكبيرة ( وهي راهبة كرملية تشرع بإصلاح الرهبنة الكرملية بفرعها النسائي ) بيوحنا. وأعربت له عن تصميمها على إصلاح حياة الرهبان الكرمليّين ايضًا. واثناء الحديث، اكتشفت تريزا أنّها وجدت في يوحنا حجر الزاوية في عمليّة الإصلاح هذه.
إنّه الراهب المطلوب الذي سيقوم بهذا العمل. فهو يتمتّع بذكاءٍ حاد، ونظرة نقيّة، وصفاءِ نفس، وثبات عزيمة. كيف لا وقد عانت الكثير من اجل الإصلاح، وما زالت تعاني. ويوحنا سوف يمرّ بالصعوبات نفسها،
وعُيّن يوحنا الكاهن الشاب معلّمًا للمبتدئين من الرهبان الشباب. وكان همّه أن يقود إخوته الشباب في طريقٍ يكون فيها الدرس والصلاة متضامنين. فهم رهبان ودارسون، ولكنّهم رهبان اولاً. وفي الوقت ذاته طلبت منه تريزا ان يأخذ على عاتقه إرشاد الراهبات، فقام بالمهمّة على أكمل وجه. فكان المعرّفَ والمرشدَ والدلا ّل َ الى الله.
أدرك يوحنا ان الاصلاح لا يتوقف على بعض القوانين الخارجية حسب بل أن يشمل الانسان في عمقه وان توصله بالاتحاد بالله من خلال طريق اللاشيء. وقد بدل اسمه الرهباني يوحنا للقديس متى إلى يوحنا الصليب.
يوحنا في السجن
واجه يوحنا اثناء الاصلاح صعوبات كبيرة وجرت محاولات لاقناع يوحنا بالعودة إلى نظام يسمح بقوانين سهلة وملطفة لكن لم تنجح إلى ان قبضوا على يوحنا الرهبان الذين كانوا يخضعون لقوانين ملطفة وساقوه للسجن وهو صامت لا يتفوه بكلمة أو تذمر
لقد بلغت آلام يوحنا حدا كبيرا انهكت قواه واذا به وسط الالام يصرخ متوجها إلى المسيح
اين اختبأت يا صديقي
ولم تركتني في الدموع
لقد فررت مثل الايل
بعد ان جرحتني بالحب
وإذا بالسجن يستنير بنور عجيب بنور جميل ولطيف إلى الغاية تسبح فيه نفس يوحنا وكأنها في النعيم وإذا بيسوع يجيب
” انا ههنا معك لكي انقذك من كل شر “
فاطمأنت نفس يوحنا واستأنف السير والبحث عن الحبيب وفي هذا السجن وضع يوحنا نشيده الروحي الخالد وقصيدته الاخرى الليلة الظلماء
وفيما هو في السجن جاء يوم 14 آب وذابت نفس يوحنا إلى إقامة القداس في عيد انتقال العذراء مريم ولكن الامر حرم عليه منذ دخوله إلى السجن وإذا بدافع يحدوه إلى البحث عن وسيلة للنجاة. وقد عزا يوحنا ذلك إلى العذراء نفسها. فما ان مر عليه عيد الانتقال حتى تمكن في احدى الليالي من الهرب من احد النوافذ وقد صنع من ملاحفه حبلا تدلى به ونزل إلى الاسفل وذهب إلى دير الكرمليات ، وأخبرهنّ أنّ العذراء سيّدة الكرمل هي التي سمحت له بالفرار، لأنّ أعمالاً عظيمة تنتظره في سبيل الإصلاح…
ويمّم الأب يوحنا شطر الأندلس وبلغ دير الجلجلة حيث رحّب به إخوته الرهبان الذين صمّموا على إتّباع القانون المتشدّد والسير على خطاه والإرتقاء الى قمّة الكمال الشاقّة. (وكما انتشلته العذراء، وهو صغير، من مستنقع Fontiveros، هكذا ايضًا قد نجّته من سجن طليطلة.)
العمل الرسوليّ
أنشأ الكرمليّون المتشدّدون معهداً خاصًأ بهم في مدينة بِيَاثْ Beas، وعيّنوا الأب يوحنا رئيسًا عليه. فغادر دير الجلجلة، دير العزلة والصمت، وبدأ يعمل على خطين متوازيين: حياة تأمّلٍ وصلاةٍ، من جهة، وحياة رسالةٍ ووعظٍ وإرشادٍ، من جهة أخرى.
وعندما سُئل يوحنا عن قدرته على التوفيق بين هذين الخطّين أجاب: « إنّهما مرتبطان معًا أشدّ الإرتباط، لا بل يُصبحان وحدة لا تتجزّأ. والبرهان أنّ المسيح نفسه اختار وعاش هذا النمط من الحياة على أنّه الأكمل ». وهكذا تلميذ المسيح الحقّ، لا يعمل على أن يذهب وحده الى السماء بل يصطحب معه عدداً من النفوس ايضًا. وعمله هذا ناتج ٌ عن محبّته لله الذي يريد أن يخلص جميع الناس ويصلوا اليه.
وفي هذا الدير كان يوحنا يقوم بجميع الخدمات الشاقّة من كناسةٍ ومسحٍ للأرض وغسلٍ للصحون وعنايةٍ بالمرضى. وهذه الأعمال والتضحيات مصحوبة بصلاته اليوميّة. وكان يوحنا يقدّس نفسه ويسعى الى تقديس نفوس إخوته…
كتاباته
بلغ يوحنا دير غرناطة فاستقبله الإخوة بكلّ ترحابٍ وسرورٍ. وكان قد وطّد العزم على أن يقود كلّ راهبٍ في طريق الروح والإتّحاد بالله. فشرع يوحنا يخط ّ القسم الأكبر من تآليفه الروحيّة الأربعة التي استحقّت له لقب « ملفان الكنيسة الجامعة » فكتب: القصائد والأقوال والحكم والرسائل (الأعمال الصغرى) صعود جبل الكرمل، الليل المُظلم، النشيد الروحيّ، شعلة الحبّ الحيّة.
أمّا «النشيد الروحيّ» فهو نشيد صوفي يشبّه مسيرة المسيحيّ الروحيّة بمغامرة تجعل النفس المجروحة بالحبّ، تبحث عن حبيبها في كلّ مكان، الى أن يتمّ اللقاء بينهما. وهذه هي الخطوبة الروحيّة وبعد الخطوبة يأتي القِران الروحيّ… ومن ثم يُصبح الإتّحاد بالحبيب هو الهدف وهو الغاية والمعنى.
تعبّر كتابات يوحنا عن العمق والتعطّش الى الماء الحيّ الذي قال يسوع عنه للسامريّة: « مَن كان عطشانًا فليأتِ اليَّ » (يوحنا7/27)، فإلى هذا الينبوع دعا يوحنا كلَّ إنسانٍ يبحث عن السعادة…
القديس يوحنا
وأستمر يوحنا برسالته ولم يوقفه الألم والتعب من جراء السفر والمرض ويروي لنا أخوه فرانسسكو أن يوحنا أسرّ اليه يوما بهذا القول ” كان لنا في الدير صليب وبدا لي انه من الخير أن يوضع في الكنيسة في موضع لائق لكي يصبح موضع الاكرام ليس من الرهبان حسب بل من الغرباء ايضاً وقد انجزت هذه الفكرة فوضعته في الكنيسة على خير ما يرام. وبينما كنت يوماً في التأمل أمامه قال لي أيها الاخ يوحنا اطلب مني ما تشاء فامنحك اياه عوض هذا الخدمة التي قمت بها نحوي فقلت له ربي أن ما أريد ان تمنحني اياه هي الآلام التي احتملتها لأجلك وأن أكون غير معتبر ومحسوبا غير ذي شأن”
وبالفعل تحققت صلاة القديس يوحنا فبدأت تتدهور صحته شيئا فشيئاً وحينما قيل ليوحنا عن قرب وفاته ضم يديه بخشوع وقال ” فرحت بالقائلين لي: إلى بيت الرب نمضي ” وآخر كلماته كانت ” بين يديك يا رب استودع روحي “
هكذا سكت هذا القلب الكبير في الدقائق الأولى من السبت المصادف 14 كانون الأول سنة 1591
يوحنا الصليب قديس وشفيع ومعلّم
دُفِنَ يوحنا في مدينة “عبيدة” Ubeda. ونُقِلَ جثمانه بعد سنتين الى مدينة Segovia. وسنة 1594 عُقِدَ مجمع رهبانيّ عام أُعلن فيه أنّ يوحنا الصليب هو أولُ راهبٍ كرمليّ حافٍ .
والبابا كليمنضس العاشر أعلنه طوباويًّا سنة 1675.
والبابا بينيدكتس الثالث عشر أعلنه قدّيسًا سنة 1726.
والبابا بيوس الحادي عشر أعلنه معلّمًا للكنيسة جمعاء سنة1926.
والشعراء الإسبان أعلنوه شفيعًا خاصًا بهم سنة1952.
الخاتمة
ان لحياة يوحنا كانت ذات تأثير كبير لكل الذين كانوا قريبين به فقد كان خير مرشد للنفوس فقد كان ارشاده يعكس خبرته عن الله في افراحه واحزانه وقد ساعدهم في الارتقاء إلى الله في صلاة صامتة
واليوم يواصل القديس يوحنا بكتاباته الرسالة التي مارسها في حياته كلها
مساعدة النفوس في مسيرتها إلى الله وتدريبها على التخلي عن كل شيء في سبيل الوصول إلى الضروري الاوحد
منقول
الرهبانية الكرملية في العراق