حياة القديسة تريزا ليسوع (الأڤيلية)

القديسة تريزة الكبيرة …   (1515 – 1582)

القديسة تريزة (تريزة يسوع)، هي أسبانية من مواليد القرن السادس عشر. وُلدِت في مدينة آفيلا 1515. القرن السادس عشر هو عصر مليء بالقديسين والقديسات الذين أثروا كثيراً على حياة الكنيسة وتأسيس الرهبانيات، فهناك بالإضافة إلى تريزة الأفيلية، القديس يوحنا الصليب والقديس اغناطيوس دي لويولا والقديس فرنسيس بورجيا وغيرهم. غير أن تريزة تبقى في طليعة هؤلاء القديسين لما امتازت به من شخصية جذّابة وقويّة، إذ أقدمت على إصلاحٍ شامل للرهبانيّة الكرمليّة بفرعيها النسائي والرجالي، وتركت لرهبانيتها وللكنيسة جمعاء، تراثاً ضخماً من أعمالٍ وإنشاءات وكتابات واختبارات روحية، وضعت تريزا في مصاف كبار معلّمي الكنيسة، وبين كبار مؤسّسي طريق الكمال المسيحي. أُعلِنَت معلمة للكنيسة، أول امرأة معلمة للكنيسة سنة 1970

تريزا الراهبة الكرمليّة في دير التجسد

كانت تريزا بعمر 20 سنة، عندما قررتِ الدخولَ إلى دير التجسد الكرملي في مدينة آفيلا، عازمة أن تعيش لله وحده بكلّ قواها. لقد كانت خطوتُها الحاسمة. فدخلت الدير. وكانت تظنّ أن الحياةَ فيه صعبةٌ للغاية. ففوجئت، وهي ضمنَ الدير، بسهولة الحياة الرهبانيّة، التي كانت الراهبات الكرمليّات يعشنها: فالقانون سهل، والراهبات يعشن حياة الرخاء والاكتفاء، ملابس فخمة، مآكل، اجتماعات، زيارات، خروج من الدير (في دير للحبيسات)، وباختصار، حياتُهن حياةُ تقوى عادية مثلُ أيّ مسيحي كان. وكلّ ما يميّزَهُنّ عن غيرهنّ، حياةُ البتوليّة.

فأخذت تريزا تتساءل في نفسها وتقول: أين التجرّد في الحياة الرهبانيّة! أين الإماتة والتواضع! أين التفرّغ المطلق لله والصلاة! أين معنى نذر الطاعة وقيمته وثماره! أين الفقر الرهباني!…

كيف لا تتساءل، وفي نفس الدير كانت تعيش جنباً إلى جنب، راهباتٌ غنيات، وأخريات فقيرات. والمعاملة لم تكن متساوية للجميع. والحالة هذه كانت سائدةً في غالبية أديار الكرمليّات.

ولكنّ العناية الإلهية كانت تُعِدُّ تريزا لعمل كبير جداً، لقداسةٍ سامية، لتغييرِ مسلك تلك الأديرة وإصلاحها، فتصبح هي أماكن ومنبع للحياةِ الروحية العميقة، أماكن لعيش الفقر والانقطاع عن العالم وإغراءاته، أماكنَ للصلاةِ والتأمّل، كما كانت منذ نشأتها الأولى.

وفي مطلع عام 1554، قرأت تريزا كتاباً بعنوان “اعترافات” للقديس أغسطينوس. هذا الكتاب المملوء بمحبّة الله، المملوء بالندامة والرجوع إلى الله… فانفتحت عيناها على أسراره، وبدأت تحيا من جديد حياة الصلاة والحرارة والإماتة. وأخذت تقول: “يكفيني الله”، “الله وحده يكفيني”. وعملت على إصلاح ذاتَها قبل إصلاح غيرها. فعكفت على التأمّل والصلاة الصامتة. وأخذت تختبر حالاتٍ من الانخطاف والعلاقة العميقة الخارقة مع الله في الصلاة. فلجأت إلى استشارة لاهوتيين كبار ومرشديين معروفين في وقتها، فطمأنوها إلى أن هذا كلّه مصدرُهُ الله، ولا خوف عليها… وبدأ يسوع يظهر لها، ويضرم قلبها بنار حبّه الإلهي، وكتبت لنا تريزة عن إحدى أهم خبراتها الروحية عندما طعنها أحد الملائكة بحربةٍ نارية اخترقت فؤادَها فألْهَبَهُ بنارٍ من الحبّ كادت لا تُطيق تحمّلَ ليهبه.

هكذا بدأت إذن تحاول وبكل قوة أن تعيش نذورها العفة والطاعة والفقر وبأمانة كبيرة جداً.

إصلاح الكرمليّات:

في أيلول سنة 1560 كانت جماعة من الراهبات تتحدث مع تريزا في غرفتها في دير التجسد. وكان الحديث يدور حول الحياة الرهبانيّة وضرورة تأسيس دير جديد، تعيش فيه الراهباتُ الكرمليّات بموجب القانون الكرمليّ المتشدّد. فأخذت تريزا تفكّر بهذا الأمر مستعينة بالصلاة وطلب النور من العلاء. وبعد أيام نالت موافقة رئيسها الإقليمي الكرملي، ومن بعده موافقة روما. فاشترى لها ذووها بيتاً، عملت تريزا على ترميمه وإصلاحه، ليصبح مؤهّلاً لسَكَنِ الراهبات. ووضعت هذا الدير الجديد تحت حماية القديس يوسف، وقد كانت شديدة التعبد لهذا القديس. فأقيم فيه القداس الإلهي. وعُرض القربان المقدّس، بعدما انتقلت إلى هذا الدير الجديد أربعُ راهبات. كما توشّحت أربعٌ من المبتدئات بالثوبَ الرهباني. ووُضع حِصْنٌ للدير فَفُصلَ عن العالم. وأخذت الراهبات والمبتدئات، بإشراف تريزا، يعشن حياةَ الفقر والتأمّل والصمت والعمل.

وعكفت تريزا في هذا “البيت-الدير” الجديد، على القيام بالأعمال اليومية، من طبخ وتنظيف وغسل. وبَنَت في البستان مناسك للإختلاء والصلاة. وكان همّها الأول تنشئة المبتدئات، تلك التنشئة الرهبانيّة الأصيلة… ولهذا الغرض كتبت كتابها “طريق الكمال”. فذاع صيت ذلك الدير وازداد من جهة، عدد الراغبات في حياة ذلك الدير الجديد، كما ازدادت المقاومة من جهة أخرى لهكذا عمل وهكذا إصلاح.

ولكنّ تريزا كانت واضعة هدفها الإصلاحي نصب عينيها. فالخطوة الأولى صعبة من دون شك. ولكنّها عزمت على تخطّي جميع العقبات، متكلةً على نعمة الروح وقوّته. فطبّقت القانون المتشدد-واضعةً صرامةً شديدةً في الطعام واللباس، وفي ساعتيّ صلاة السكوت في اليوم، وفي حياة انقطاع تام عن إغراءات العالم. والإقلال من الاجتماعات والزيارات والخروج من الدير.

وكان بعد مدة أن مرّ من هناك الرئيس العام للرهبانيّة الكرمليّة الأب روبير، فأُعجب بذلك النمط الجديد، ورعى مشروعَها، وشجّعها على بناء وإصلاح أديارٍ أخرى. فوُلد الدير الثاني في “مدينة دل كمبو” Medina Del Campo

وفي هذا الوقت كانت عملية تأسيس وإصلاح أديرة الكرمليّات قائمة على قدم وساق، ومتلاحقة دون هوادة لمدة خمس عشرة سنة، بهمّة قل نظيرها، ساخرةً بالأتعاب والأسفار الطويلة، غير عائبة بالحرّ أو البرد، ممتطيةً بغلةً أو راكبة عربة. فأسّست 16 ديراً للكرمليّات. وكانت تقوم بنفسها بجميع قضايا الإشراف على البناء أو الترميم، وقضايا الاستئجار أو الشراء أو المعاملات مع السلطات المدنية والدينية، كما كانت تقتني دفتر الحاسبات، وتبحث عن الأموال الضرورية للبناء. وفي الوقت ذاته كانت تتحمّل الكثير من المضايقات ضد الرهبانيّة المصلَحة، فتزور كلَّ أديرتها، وتستمع إلى كلّ راهبةٍ بمفردها، وتشجّعُ الجميع، خصوصاً المبتدئات. وفي الليل كانت تتفرّغ للكتابة والمراسلات وتكريس وقتٍ طويل للصلاة واستمداد العون من العلاء.

إصلاح الكرمليّين

هَمّ تريزة الكبير، كان إصلاح الفرع الرجالي للكرمليين، إذ بهذا يصبح عندها كهنةً مرشدين ومعرّفين للكرمليّات. فكتبت بهذا الخصوص إلى الرئيس العام الأب روبير فسمح لها بتأسيس أديرة للرهبان الكرمليّين الذين كانوا يعيشون بدورهم حياة الرخاء والتساهل في شتّى الميادين.

فالتقت بكرملي شاب، هو يوحنا الصليب (1542- 1591)، فكان هناك حديث وانسجام بالأفكار بين تريزا ويوحنا. فأطلعته تريزا على نوع الحياة في أديرة الكرمليّات، وعلى نوعية القانون والتقشّفات وممارسة المحبّة الأخوية والتأمّل والصلاة والعلاقات الأخوية المشتركة داخل الدير، تلك الحياة التي يسودها الفرح والبشاشة… فكان يوحنا منسجما تمام الانسجام مع الروحانية الجديدة… وتمّ تأسيس أول دير للكرمليين المصلَحين سنة 1568. وسكنه ثلاثةُ رهبان: يوحنا الصليب (والأب انطوان ليسوع، وأخ آخر)… وبعد أشهر زارتهم تريزا. فاندهشت من حياة هؤلاء الكرمليّين الجدية والروحية: حياة الفقر، حياة التمسّك بالقوانين، حياة الصلاة والتأمّل. ومجّدت الله على ذلك.

وما لبث الكرمليون الجدد أن فتحوا داراً للإبتداء في مدينة (باسترانا) لاستقبال الدعوات. ولكنّ هذه الخطوة كانت شاقّة وعسيرة. لا بل لاقت مقاومات عنيفة، خصوصاً من جهة الرهبان، الذين رفضوا أن تقوم امرأة بإصلاحهم. لا بل اتخذت هذه الخطوة طابع الاضطهاد، إذ إن المناوئين لهذه الحركة الإصلاحية الجديدة، توصّلوا إلى حجز تريزا في أحد الأديرة وإلى اختطاف يوحنا الصليب وزجّه في سجن دير طليطلة، ومعاملته أقسى معاملة. وازداد الاضطهاد، مما دفع الكرمليّين الحفاة (أشرح)، إلى إقامة إقليم منفصل عن الكرمليّين الملطّفين (العائشين حسب القانون الملطف السهل). وسنة 1586 أصبحوا رهبانيّة لها حكمها الذاتي. وسنة 1593 أصبحوا رهبانيّة مستقلّة تماماً.

رغم الاضطهاد، لم تستسلم تريزا لليأس، بل واصلت الكفاح بعناد وجرأة من أجل متابعة هذه المسيرة الإصلاحية. وأخذت تكتب وتنصح وتوبّخ.

وكتبت إلى الرئيس العام الأب روبير، وإلى الملك فيليب الثاني. كما أنها عكفت على كتابة كتاب روحي نفيس جداً عنوانه “المنازل” أو “القصر الداخلي”. واستأنفت أسفارها وإصلاحاتها، وقوّة الروح تؤيّدها وتدفعها دوماً إلى تخطّي العقبات… لا، بل كلّما زادت الصعوبات كلّما أمعنت في الصلاة والجلوس ساعاتٍ طوال في حضرة الله، مستمدةً منه العون والسلام واليقين والطمأنينة والثقة.

معاني الإصلاح التريزياني.

في نفس هذا القرن السادس عشر الذي عاشت فيه تريزة بدأ تقسيم الكنيسة في الانشقاق الذي عمله لوثر (1483 – 1546)، والذي نتج عنه المئات من الكنائس البروتستانتية المختلفة والمتنوعة والمتباينة فيما بينها. وسمى لوثر حركته بحركة الإصلاح. لكن هدف إصلاحه هذا كان الخروج والانفصال عن الكنيسة والتحرّر من سلطتها، بينما إصلاح تريزة كان الرجوع إلى ينابيع الكنيسة الأولى، والتمسّك بسلطتها والتقيّد بتعليمها الذي هو تعليم يسوع المسيح.

أي أن الإصلاح البروتستنتي سَجّلَ طعنة إلى قلب الكنيسة ووحدتها. أما الإصلاح الكرملي الذي أرادته تريزا، سجّل في قلب الكنيسة عينها، عملاً رسولياً، يمثّل الخضوع والتجرد والمحبّة والتعلّق الشديد بهذه الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية، التي تركها لنا المسيح أمانةً في أعناقنا.

من هنا نفهم أن الإصلاح التريزياني جاء في الإتجاه المعاكس للإصلاح البروتستنتي، إذ إنه رجوع إلى الينابيع الأولى للبشارة وتشبّهٌ بحياة المسيحيين الأوّلين، ودخولٌ من “الباب الضيّق”. وهذا كلُه مبنيّ، على الإقتداء بحياة المسيح، حياة الطاعة والخضوع، حياة العزلة والصمت، حياة الرسالة والتبشير والصلاة. وقد جاهدت تريزا طيلة حياتها، وبكلّ قواها، لإنجاح هذا الإصلاح الأصيل، غير مباليةٍ بتعبٍ أو انتكاسةٍ صحيّة.

مرضها ووفاتها

إنّ كثرة الأسفار والتأسيسات، والإصلاح والزيارات لجميع الأديرة التي أسّست، والإهتمام بكلّ راهبة وكلّ مبتدئة، والسعي الحثيث لإنجاح إصلاح الكرمليّين، والتقشفات الكثيرة، والصلوات المتواصلة، وقلّة النوم: هذا كلّه تراكم على جسد تلك المرأة الجبّارة، فساءت صحّتُها وَهَزَلَتْ بُنْيَتُها. ورغم كلّ ذلك ورغم سنيّها السبع والستين، انطلقت مجدّداً سنة 1582 لتأسيس دير جديد للراهبات في مدينة بورغس Burgos. فشعرت بالمرض يأكلها، وبالسفر يضنيها، وبالبرد القارس ينهشها، وبالحمّى تجتاحُها. فما لبثت عندئذٍ أن عادت بعد ثلاثة أشهر إلى مدينة آفيلا، إلى ديرها الأول، دير القديس يوسف، الذي ستختم فيه حياتها غير الطبيعية والمثمرة…

وفي 30 ايلول 1582 حدث لها نزيفٌ أَلزمها الفراش. فأدركت أنها موشكةٌ على الموت. فاستدعت الراهبات وجمعتهنّ حولها وأعطتهن توصياتها الأخيرة. وطلبت الصفح من جميع أخواتها الراهبات في جميع الأديرة. وطلبت المعرّف فاعترفت للمرّة الأخيرة. وبينما الأب أنطونيو يناولها القربان المقدّس صرخت بحرارة قائلة: “ربي وإلهي، ها قد أتت الساعة التي كنتُ أنتظرها بشوق كبير. نعم لقد حان الوقت لكي نرى بعضنا بعضا وجهاً لوجه. لقد حانت الساعة. لنمضِ. لتكن مشيئتك يا رب. يا رب أنا أموت ابنة للكنيسة”. وعندما أتمّت هذا، سلّمت روحها لله بهدوء وسلام طابعة ابتسامة جميلة على وجهها، يوم 15 تشرين الأول 1582، وهي ابنة سبع وستين سنة…

تعليم تريزة

لقد شقّت تريزة طريقاً جديداً للكمال المسيحي والوصول إلى الله. وهذا الطريق نابعٌ من خبرةٍ وحضور دائمٍ لله، في الصلاة والعمل من أجل ملكوته.

فالحياة عند تريزة ليست جموداً واستسلاما وبِطالة، الحياة عند تريزة ليست مسيّرة مفروضة ومكتوبة مسبقاً، بل هي عكس ذلك، هي تَحرُّك مستمرّ نحو الأكمل، وعمل دؤوبٌ في خدمة الله والقريب، ومواظبةٌ على التأمّل والصلاة وطلب النور من أبِ الأنوار. وحياة الكمال المسيحي كما جاء في تعليم تريزة ليس إلاّ حوارَ المحبّة المتواصل بين الله والنفس… وعندما تصبح الصلاة صعبة ومستحيلة، كانت تقول، تكفي عبارة: أنا أحبّك يا يسوع.

وقد عرفت تريزا كيف تُوفّق تماما بين شطرين في الحياة ضروريين: حياة الصلاة وحياة العمل – صلِّ واعملْ، مريم ومرتا. إنه مبدأ كلّ حياة رهبانيّة… بل وكل حياة مسيحية حقيقية عميقة.

من هنا برزت تريزة كمعلّمة كبيرة في الحياة الروحية أثّرت أبلغ تأثير على أخواتها الراهبات الكرمليّات، وعلى الرهبان الكرمليّين الحفاة، وعلى مرشديها ومعرّفيها، وعلى جميع الذين عايشوها من إكليريكيين وعلمانيّين وأساقفة، حتى بلغ صيتها جميع أنحاء إسبانيا.

وبعد موتها، تَخَطَّت شهرتها حدود إسبانيا إلى العالم كلّه، خصوصاً بعدما تُرجمت كتاباتها إلى معظم اللغات الأوروبية والشرقية. كما أقدم الآباء الكرمليون في لبنان على ترجمة “أعمالها الكاملة” إلى اللغة العربية، بعد أن أصبحت تلك الكتابات مرجعاً أوّلياً للاّهوتيين والمعلّمين الروحيين، وخصوصاً للمهتمين بالدراسات والحالات الصوفية التي عاشتها شعوب الشرق والغرب، خصوصاً في الهند والصين واليابان. وهذا ما حدا بالبابا بولس السادس إعلانها ملفانةً ومعلّمةً للكنيسة الجامعة في 27 ايلول 1970. وهكذا أصبح لدينا اليوم في الكنيسة ثلاث نساء يحملن لقب معلّمات الكنيسة: أول واحدة كانت تريزا الأفيلية، ثم كاترين السيانية وأخيراً في 1997 تريزة الطفل يسوع الكرملية أيضاً.

واليوم ما زال لتعليم تريزة الكبيرة ولحياتها ولكتاباتها ذلك الانتشار الواسع، وذلك التأثير العميق في معاصريها، وفي الأجيال اللاّحقة، حتى أيامنا هذه. وقد قال عنها شارل دي فوكو: “إن القديسة تريزا هي من هؤلاء المؤلفين الذين يجعلهم المرء خبزه اليومي…

كتاباتها

تركت لنا تريزا مؤلفات عديدة هي ثمرةُ خبرةٍ روحية غنيّة، أرادت من خلالها أن تعبّر عنها تعبيراً بسيطاً صادقاً وحيّاً. من كتاباتها نذكر:

كتاب “السيرة“: الذي يحتوي على سيرة حياتها وقد كتبته بخط يديها سنة 1562 تلبية لأمر الأب غارسيا. وأكملته سنة 1565.

طريق الكمال“: كتاب قيّم جداً. كتبته تريزا سنة 1566 تلبية لإلحاح الأب بانييس الدومينيكي وأعادت كتابته سنة 1576 ليكون نافعا لجميع المسيحيين.

كتاب “التأسيسات“. بدأت بكتابته سنة 1574 نزولاً عند طلب الأب ريبالدا، وأنجزته شهرين قبل وفاتها نظراً لأشغالاتها الكثيرة.

المنازل“: كتبته سنة 1577 واستغرقت ثلاثة أشهر في كتابته وذلك نزولاً عند طلب الأب غراسيان. وهذا الكتاب هو تُحفة من اللاهوت الصوفي. وهو بمثابة خلاصة لتعاليم تريزا الروحية. إنه دروس خِبرة عميقة في التأمّل والصلاة والحياة الروحية. وهذا الكتاب هو بالفعل أروع ما خرج من قلبها وما خطّه قلمها.

هناك كتابات أخرى نذكر منها:

الأحاديث الروحية” و”أفكار حول محبّة الله” وكتابات غيرها نثراً وشعراً. أمّا “رسائلها فعديدة جداً. وهي موجّهة إلى مختلف الأوساط. وهي تعكس تطلعات القديسة تريزة الكبيرة واهتماماتها بالحياة الإنسانية والروحية والمادية وكيفيّة التعاطي مع الأشخاص.

أخيراً، إن الملاحظة التي لا بدّ من قولها هي أن تريزة لم تكتب شيئاً إلاّ بأمر رؤسائها ومرشديها ومعرّفيها.

روحانية تريزا

قلنا إنّ تريزا عاشت روحانية هي نتيجة خبرة روحية حاولت أن تعبّر عنها في كتاباتها، ونلخصها بالأفكار التالية:

الله وحده يكفي: الإنسان الذي يعيش في دوّامة التمركز على الذات والأنانية والضياع وفقدان الرجاء، سبب كل هذا هو ابتعاد الإنسان عن الله، وغياب الصلاة عن حياته.

ولكنّ الخطوة الحاسمة الأولى، تقوم على الرجوع إلى الذات، وتركها تتمركز في الله، وأن تَقبل أن تسلِّم نفسها إليه، وهو سيحرّرها ويدفعها إلى الأمام في حياة شِركة وفرح مع الله.

كل روحانية تريزة تدور حول حياة جديدة ومتجدّدة باستمرار في المسيح:

قال بولس: “لست أنا مَن يحيا بل المسيح مَن يحيا فيّ”. وتريزة اختبرت ذلك وعرفت أن الحياة الجديدة في المسيح لا تقوم إلاّ على نعمة الموت والولادة والقيامة على حياة جديدة، تماماً على مثال المسيح.

الصلاة حديث مع الله: تريزا هي محترفة صلاة. ففي أسفارها وأشغالها كانت تصلّي. وفي سكون الليل كانت تصلي. ومن خلال كتاباتها نستشف أن الصلاة كانت محور حياتها ورفيقة أعمالها ونجاح مشاريعها…

من أقوالها

أَنْ أموتَ، نعم. أن أُهزم أبداً.

لا يُقلقك شيء ولا يُرْهِبُك شيء. فكلّ شيء يزول، الله لا يتغيّر. وهو وحده يكفي.

الصبر ينال كلّ شيء ومن له الله لا يعوزه شيء.

فلتكن رغباتك أن ترى الله، وليكن خوفك أن تخسره، وليكن غمّك عدم امتلاكه، وليكن فرحك بالذي يقودك إليه، عندها فقط تحيا بسلام.

خلاصة

هذه هي تريزة الأفيلية. هذه هي الراهبة الفذّة التي عرفت كيف تملأ حياتها وأيامها من العمل لبناء ملكوت الله على الأرض فتدَفَّق عملُها حبّاً عارماً لله وللكنيسة وللقريب. هذه هي شخصية تلك المرأة “المغرمة بالله” التي حلّقت في سماء الكنيسة، فعاشت بانيةً، مصلحةً، معلّمةً، تحت تأثير الروح والفرح والحرية والعطاء.

وهذا ما جعل أحد اللاهوتيين الأسبان الشهيرين وكان أيضاً مؤلفاً وشاعراً (الأب لويس دي ليون الأغسطيني) يكتب عنها فيقول:

“أنا ما عرفت الأم تريزة يسوع، ولا رأيتها أثناء حياتها على الأرض. أمّا الآن وهي حيّة في السماء، فإنني أعرفها وأكاد أراها دائماً في صورتين حيّتين تركتهما لنا عن ذاتها هما: “بناتُها ومؤلّفاتها“.

ونحن أبناء القرن الحادي والعشرين نقف اليوم حيارى أمام هذه الراهبة الجبّارة ونتعرّف إليها من خلال بناتها وأبنائها المنتشرين اليوم في كلّ بقعة من الأرض، يتابعون رسالتها. ونتعرّف إليها أيضاً من خلال مؤلّفاتها، وسيرة حياتها، إذ استطاعت من خلال صلاتها، وتسليمها المطلق لإرادة الله، وثقتها بنفسها وصبرها وفضيلتها وأشغالها وأسفارها وإنشاءاتها أن تقوم بوضع منهجيّة جديدة للرهبانيّة الكرمليّة. وعملها هذا يَعْجَزُ عنه جمهور من الرجال والنساء مجتمعين. فكيف بتريزة تناضل لوحدها! ولكنّها لم تكن لوحدها، بل الروح الكامن في أعماقها كان يُلهمها ويلهبها طيلة مسيرتها، فكانت المرأة والراهبة والرئيسة والمصلحة والمؤلفة والمؤسِّسة والمعلّمة الصوفية والإنسانة المغرمة بالله وبالكنيسة. وقد قيل عنها بأنّها أعظم امرأة في التاريخ بعد مريم العذراء. إن الله لعجيب حقاً في قديسيه!

إذا أردنا أن ندخل في أساس روحانية القديسة تريزة الكبيرة، أعتقد بأن هناك شيئين أكيدين عندها وُلِدا من خبرتها الروحية: هناك من جهة، حضور الله في قلب الإنسان، ومن جهة أخرى، الصلاة (صلاة الصمت) كطريق للقداسة. ومَن يعرف القديسة تريزة الصغيرة، ابنتها في الكرمل، سيرو بسهولة كيف أن طريقها الصغير يجد جذوره في طريق الكمال لتريزة الكبيرة.

أولاً إذن، يجب علينا أن نؤمن برغبة الله أبينا في أن يأتي ويقيم في أعماق قلوبنا. ولكي نترك الرب يمتلك كياننا، الباب الذي يفتح هذا القصر الداخلي، هو صلاة الصمت. “نفسنا هي مثل قصر مصنوع بأكمله من جوهرة واحدة أو من كريستال نقية وواضحة جداً، حيث توجد العديد من الغرف، مثلما هناك العديد من المنازل في السماء. لأنه إذا فكرنا في ذلك جيداً يا أخواتي، إن نفس البار هي ليست شيئاً آخر غير السماء حيث يجد الله كما يقول فرحه. (…) أنا لا أرى شيئاً يمكن أن نقارنه بالجمال العظيم للنفس ولقدرتها الواسعة. حقاً، من الصعب جداً أن يفهمها عقلنا مهما كان كبيراً، (…) يكفي إذن أن يقول الله بأن النفس هي مخلوقة على صورته، لكيما يصعب علينا أن نفهم كرامتها الكبيرة وجمالها.” (1 منازل 1).

هل نفكر حقاً أن قلبنا هو المكان المفضل لحضور الله؟ هل نعرف أن نندهش أمام هذا السر الذي يسكننا؟ لقد خُلِقنا على صورة الله ومثاله، وبالعماد لقد لبسنا المسيح، ونحن مختومين بختم الروح القدس.

إن ذاك الذي هو مصدر الخلاص، مصدر صحة نفسنا، هو حاضر لنا من الآن مثل ينبوع يرغب في الإنتشار في قلبنا. فليس علينا أن نخلق أو أن نكَوِّن العلاقة مع الله، لأنها معطاة لنا أصلاً. لكن ما هو على عاتقنا، هو عمل الاستقبال لكي نسمح لهذه العلاقة أن تتطور. حتى أخطاءنا لا تمنع حضور الله هذا في أعماق قلوبنا.

لنسمع من جديد تريزة تقول: “إن نفسي تصلي فجأة وتبدو لي بأكملها مثل مرآة واضحة، لا يوجد فيها ظهر أو جوانب، ولا أعلى ولا أسفل غير واضح، وفي الوسط يبدو لي المسيح ربنا، ما يحصل لي أن أراه. يبدو بأني أراه في كل أجزاء نفسي بشكل واضح كما في مرآة، هذه المرآة نفسها لا يمكنني القول كيف أنها نُحِتت بأكملها في الرب نفسه، عن طريق وسيلة لا يمكن تفسيرها، وسيلة مملوءة جداً بالحُب. في كل مرة أتذكر هذه الرؤيا، أحصل منها على فوائد جمة، خاصة عندما أكون قد تناولت تواً.

لقد سمعت بأن النفس عندما تكون في حالة الخطيئة المميتة، تُغَطى هذه المرآة بضباب كثيف يجعلها سوداء جداً، أي لا يمكننا عندها أن نتمثل أمامنا الرب ولا أن نراه يعطينا الوجود، هو الحاضر دائماً.” (السيرة 40: 5).

إذن علينا أن نتوجه نحو هذا الحضور، نو نور المسيح هذا والذي يمكنه أن يخترق ظلماتنا ويُنيرنا. لذلك صلاتنا الشخصية، التي هي المكان المفضل للقاء بالرب، هي أساسية تماماً ولا يمكن الاستعاضة عنها، إذا أردنا استقبال هذا الحضور الذي يرغب في أن يغيرنا ويحولنا. إنها بالفعل باب قصرنا الداخلي وطريق قداستنا، لأنها تسمح للرب أن يَمتلك شيئاً فشيئاً حياتنا.

فمن خلال الانتباه لحضوره، ومن خلال تقدمة حريتنا وحبنا، سنسمح لله أن يعمل فينا ويعمل حُبه فينا ويخلقنا من جديد بادئً من مركز حياتنا. ” أتعتقدون بأن هذا لا يهم بالنسبة لنفس تميل إلى التشتت، أن تفهم هذه الحقيقة وأن تعرف بأنه ليس عليها أن تذهب إلى السماء لكي تستطيع التكلم مع أبيها الأزلي، وتتلذذ معه؟ (…) وأخيراً، فكروا بأنه في هذا القصر يسكن الملك العظيم الذي تنازل وقبل أن يكون أباكم، والذي يجلس على عرش لا يقدر بثمن: أي قلبكم. (…) لكن هل هناك أعجب وأعذب من أن نرى أن ذاك الذي يملأ ألوف العالمين بعظمته، يغلق نفسه في مكان صغير وغير ذي شأنٍ كهذا! (…) عندما تبدأ النفس في هذا الطريق، لا تريد أن تُظهِر نفسها، خوفاً من تضطرب عندما ترى نفسها صغيرة إلى هذا الحد، وتحوي شيئاً بهذه العظمة، لكن شيئاً فشيئاً، وببطيء شديد، سيوسع الله هذه النفس على مقياس ما يضعه فيها. ولهذا أقول بأنه يحمل ي داخله الحرية، لأن له القدرة على توسيع هذا القصر.”

أن نستقبل الله إذن لكي يحول حياتنا، هو بكل بساطة أن يكون لنا معه علاقة صداقة في الثقة. فمن خلال تخصيصنا وقتا لصلاة الصمت، للصلاة الشخصية، سندخل في علاقة مصنوعة من البساطة والتواضع. “إن ربنا يُقَدِّر كل شيء عندنا؛ ويتلائم مع طرقنا. فعندما يريد أن يحاسبنا، هو ليس دقيقاً أو مدققاً بالتفاصيل، لكنه كريم؛ حتى لو أخطأنا تجاهه، سهل عليه جداً أن يغفر. إنه “يدفع” لنا بشكل بحيث لا يمكن لكم أن تخافوا أبداً،فحتى لو لم تفعلوا شيئاً أكثر من أن ترفعوا إليه أنظاركم مفكرين فيه، فهو لن يتوانى عن مكافئتكم.

لنطلب من الله أن يجعلنا ندخل في علاقة الحُب والثقة هذه والتي هي الصلاة والتي هي مفتوحة لكل مسيحي سمع نداء القداسة.

.

 

 

شاهد أيضاً

القديسة مريم ليسوع المصلوب 1846 – 1878

 قصة حياة مريم ليسوع المصلوب ولادتها وطفولتها وُلدت مريم بواردي في قرية عبلين في الجليل …